الأربعاء، 2 نوفمبر، 2011

المسيح الإنسان

المسيح الإنسان

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ولم يكن له شريك في الملك, و خلق كلَّ شيء فقدره تقديراً.

يقول القمص
أفاض القرآن في الكلام عن المسيح كرسول بعثه الله إلى العالم، فقد جاء في سورة النساء 4: 1إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ .واتخذ البعض تصريح القرآن بأن المسيح رسول الله دليلاً ينفي الألوهية عنه. ولكننا لا نرى فيه أيّ إنكار أو مساس بالعقيدة المسيحية الصحيحة عن المسيح، فالمسيحية أيضاً تتكلم عن المسيح كرسول، وهي في هذا تنطق بما صرح به المسيح عن ذاته القدوسة. ففي مواضع كثيرة تكلم عن رسالته إلى العالم من قِبَل الآب، ومن ذلك قوله لتلاميذه: طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الّذي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ (يوحنا 4: 34). وقوله: يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الّذي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ (يوحنا 9: 4)


لا ندري أنرد على هذا الكلام ردا علميا أم نهمله؟ فهو ساذج لا عقل فيه وهو سطحي لا جذور علمية له. إنه كقول القائل بما أن الناظر لا يرى في الليل فإنها مشرقة في الليل؟ أو كقول أحدهم-وهو من المجانين قطعا- بما أن المرأة قد أنجبت بنتا فهي حامل بذكر. هل في هذا المنطق منطق؟؟
إن كنت أيها القمص تعترف بإن القرآن قد وصف المسيح عليه السلام بالرسالة وتقول بأن الإنجيل أيضا قد وصفه بالرسالة فكيف تستنتج ألهية (ألوهية) المسيح عليه السلام؟ إن كان المسيح رسولا فهو قطعا لا يمكن أن يكون إلها. هل يعرف أحد إلها رسولا في نفس الوقت؟ أيرسل الله نفسه رسولا؟ زد إلى ذلك أنك أتيت بأدلة بشرية المسيح ورسالته ولكنك عجزت عن إيجاد أي دليل يصف المسيح بالله.
يواصل الغالي
لأن المسيحية لا تعلّم أن المسيح إله وحسب، أو إنسان مجرد، بل إنه إله حق وإنسان حق، وأن اللاهوت فيه قد اتحد بالناسوت، اتحاداً لا اختلاط فيه ولا امتزاج، ولا فناء، وذلك بسرٍّ يفوق الإدراك البشري ويسمو فوق مستوى العقول.

فلا العقول ولا القلوب يمكن أن تفهم ذلك السرّ! ولكن كيف نسلّم بذلك ونفس القمص قال في بداية فصله.
: وكان القصد الجوهري من هذه الرسالة هو إعلان الله للعالم إعلاناً تاماً وحقيقياً، عجز الرسل والأنبياء عن إبلاغه للبشر بصورته التامة. ففي المسيح الإله المتجسد رأينا قداسة الله الكاملة، وبغضه للخطية.
فكيف يكون نفس الشيء من محالات العقول ومعقولا في نفس الحين؟ هذا من تخريف الكاتب وتناقضه.
بعد ذلك يدخل الكاتب متاهة لا فكاك له منها  بمحاولته شرح الجزء الثاني من مبدإ الكفارة المسيحية التي تقول بأن عدالة الله تتطلب ثمنا يُدفع عن الخطيئة الأصلية وعن خطايا الإنسان الأخرى ، فإذا غفر الله لخاطئ دون قصاص كان ذلك قادحا في عدالة الله.
يقول القس جولدساك:
) لابد أن يكون واضحا وضوح الشمس في ضحاها لأي إنسان بأن الله لا يمكن أن يغفر لخاطئ دون أن يمنحه أولا قصاصا مناسبا. ذلك لأنه إذا فعل ذلك من الذي يدعوه عادلا ومنصف )
إن وجهة النظر هذه تكشف الجهل المركّب بذات الله تعالى وصفاته. بل وتشبيهه بالمخلوقين من القضاة والحكام ولكنّه إنه الله الرحيم الغفور الودود الذي يفرح بتوبة عبده ويجبّ ما كان قبلها من سيئات وآثام. هذا ما علمنا إياه الإسلام لا يحتاج الله تعويضا ليغفر لنا خطايانا. يكفي أن نحقق شروط التوبة لنعود كما ولدتنا أمهاتنا بلا ذنوب.وكلنا نعرف قصة الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا ثم قتل روحا أخرى فبلغ بها مئة نفس أزهقها من غير حق ولكن الله يغفر له في النهاية. وكلنا نعرف البغيّ التي غفر لها الله وكلنا نعرف أنه لا يقنط من رحمة الله إلا الضالّون.
إن إلهاً تتطلب عدالته تعويضا عن كل سقطة وخطيئة من الإنسـان حتى بعد التوبة ليس بأفضـل مـن شـيلوك ( اليهودي الجشع ( .
إن الله الذي نعبد هو خالق كل العالمين، هو إله الحب والرحمة . فإن فرض قانوناً وطريقاً لم يكن ذلك من أجل منفعة شخصية ولكن لفائدة الجنس البشري . وإن عاقب إنساناً بسبب سقطاته وخطاياه فليس هذا لمرضاته أو للمعاوضة كما تنادي بذلك العقيدة المسيحية ، ولكن لكبح الشر وتطهير المذنب .وكل المسلمين بفضل الله يعلمون ذلك. هذا ديننا إن كنتم عاقلين.
ثم كيف تكذب على كتابك الذي تقدس أيها القمص؟ألم تقرأ ما ورد فيه

وَكَانَ جَمِيعُ جُبَاةِ الضَّرَائِبِ وَالْخَاطِئِينَ يَتَقَدَّمُونَ إِلَيْهِ لِيَسْمَعُوهُ. فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ قَائِلِينَ : هَذَا الإِنْسَانُ يُرَحِّبُ بِالْخَاطِئِينَ وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ  )) لوقا 15: 1 ، 2((.
: (( افْرَحُوا مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّائِعَ ! أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فِي السَّمَاءِ فَرَحٌ بِخَاطِيءٍ وَاحِدٍ تَائِبٍ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ! )) [ لوقا 15 : 4 – 7 ] .
 (( أَيَّةُ امْرَأَةٍ عِنْدَهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، إِذَا أَضَاعَتْ دِرْهَماً وَاحِداً، أَلاَ تُشْعِلُ مِصْبَاحاً وَتَكْنُسُ الْبَيْتَ وَتَبْحَثُ بِانْتِبَاهٍ حَتَّى تَجِدَهُ؟ وَبَعْدَ أَنْ تَجِدَهُ، تَدْعُو الصَّدِيقَاتِ وَالْجَارَاتِ قَائِلَةً: افْرَحْنَ مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ الدِّرْهَمَ الَّذِي أَضَعْتُهُ. أَقُولُ لَكُمْ: هَكَذَا يَكُونُ بَيْنَ مَلائِكَةِ اللهِ فَرَحٌ بِخَاطِيءٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ. )) [ لوقا 15 : 8 – 10 ]
(( وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا ! )) [ متى 6 : 12 ]
 (( فإن غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ زَلاَّتِكُمْ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ زَلاَّتِكُمْ. )) [ متى 6 : 14 ، 15 ] .
 (( إنْ كُنْتَ يَارَبُّ تَتَرَصَّدُ الآثَامَ، فَمَنْ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ فِي مَحْضَرِك َ؟ وَلأَنَّكَ مَصْدَرُ الْغُفْرَانِ فَإِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَهَابُونَكَ )) [ مزمور 130 : 3 ] .
سبحان الله! أتقيّدون مغفرة إلهكم أيها النصارى؟ هو الله لا يُسأَلُ وهم يسألون
قال تعالى :  ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءَاذَوْاْ موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾  الزمر 53 ، 54
وقال سبحانه :
﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً  النساء 110 ، 111  .

لقد أقرّ القمص عقيدة فاسدة من عقائد النصارى ثمّ ناقضها وناقض نفسه.

﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾