الخميس، 5 مايو، 2016

عقيدة المسلمين في الخطيئة والخلاص

عقيدة المسلمين في الخطيئة والخلاص
أثبتنا فيما سبق نجاة المسيح من الصلب، وهو أمر مبطل لكل ما يقوله النصارى عن عقيدة الفداء والخلاص.
والحديث النصراني عن المسيح المصلوب لا يلزم منه أن صلبه كان فداء للخطيئة، لكن نجاة المسيح بلا شك هدم لأساس هذا المعتقد.
وما انتهينا إليه قبلُ لن يمنعنا من الاسترسال في نقد عقائد النصرانية الملحقة والمبنية على هذا الباطل، وأهمها الفداء ووراثة الذنب الأول. وقبل أن نشرع في بيان بطلان عقيدة الفداء والخلاص نتوقف لتبيان معتقد المسلمين بشأن ذنب آدم وذنوب سائر البشر.
تحدثت النصوص القرآنية عن آدم وتكريم الله له، فهو خليفة عن الله في أرضه ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ( (البقرة: 30).
وذكرت الآيات تكريم الله له ولذريته من بعده ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ( (الإسراء: 70).
ولعل أبرز مظاهر تكريم لآدم أن الله أسجد له ملائكته الكرام ( ولقد خلقناكم ثم صورنكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ( (الأعراف: 11).
لكن هذا التكريم والاصطفاء لا يعني خروج آدم عن طبيعته البشرية إلى حالة ملائكية، فقد أخطأ عليه السلام، ووقع في إغواء الشيطان له، لكنه سرعان ما تخلص من ذنبه بتوبته التي قبلها الله غافر الذنب وقابل التوب ( وعصى آدم ربه فغوى ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ( (طه: 121- 122).
وتوبة آدم قبلها الله كما يقبل توبة سائر من عصاه، ولو عظم ذنبه، فعفو الله أعظم من آثامنا وذنوبنا ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ( (الزمر: 53).
إن ذنباً واحداً لا يغفره الله، ما لم يتب منه العبد، وهو الشرك بالله الواحد الأحد ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( (النساء: 116).
وأنزل الله آدم من جنته، وجعله في الأرض التي خلقه منها ولها، وطلب منه وذريته عمارتها، وأعطاهم قدرة تامة وإرادة كاملة على فعل الخير والشر طالما امتدت به الحياة، ثم يرد كل واحد منا إلى ربه فيجازى عما قدم وأسلف ( قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( (البقرة: 38 - 39). وأكدت النصوص القرآنية مسئولية الإنسان عن عمله وكسبه ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ( (طه: 14 - 15)، وقال: ( وكل إنسان ألزمنه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ( (الإسراء: 13-14).
وهكذا فإن كل ما يصنعه الإنسان في حياته الدنيا مسجل محفوظ ، ولسوف يراه المرء في يوم لا تخفى على الله منه خافية ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ( ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ( (الزلزلة: 6-7).
وهذه المسئولية للإنسان عن عمله لا تمنع رحمة الله ( إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى ( (طه: 73).
وأما مسألة وراثة الذنب فهي مرفوضة عند المسلمين نقلاً وعقلاً، والقرآن بصراحة ووضوح يبين بطلان هذا المبدأ الظالم الذي تتابعت الرسالات السابقة على إنكاره والتأكيد على ضده ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى ( وإبراهيم الذي وفى ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ( وأن سعيه سوف يرى ( ثم يجزاه الجزاء الأوفى( (النجم: 35 - 40).
وقد أعلم الله موسى عليه السلام في توراته التي أنزلها عليه بهذا المبدأ العادل، فقال: ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ( بل تؤثرون الحياة الدنيا ( والآخرة خير وأبقى ( إن هذا لفي الصحف الأولى ( صحف إبراهيم وموسى ( (الأعلى: 14-19).
وأخيراً: ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ( (النساء: 123).
وهذه النصوص القرآنية قبس من آيات عظيمة في كتاب الله تكاثرت على ذكر هذه المعاني بجلاء ووضوح، ذكرناها كمدخل لنقض عقيدة الفداء، والتي لن نحتج في إبطالها بهذه النصوص الكريمة من كلام الله، وذلك مضياً على النهج الذي انتهجناه في هذه السلسلة، وهو نقض مسائل النصرانية من خلال العقل والنظر الصحيح إضافة إلى النصوص المقدسة عند النصارى.