الثلاثاء، 12 يناير، 2016

فلسفة النصارى لمسألة الخطيئة والكفارة1

فلسفة النصارى لمسألة الخطيئة والكفارة
قرأنا النص التوراتي ورأينا في الملاحظات السابقة ما يجعل العاقل يجزم بركاكة القصة التي تحدثت عن خطيئة آدم، لكنا نتجاوز ونغض الطرف عما ورد فيها من طوام، ليصل بنا الحديث إلى أبعاد خطيئة آدم على الجنس البشري، فما هو معتقد النصارى في خطيئة آدم وعقوبتها وأبعادها؟
يعتبر سانت أوغسطينوس (430م) في كتابه "The Enchiridion" في مقدمة النصارى الذين قدموا تفسيراً متكاملاً لهذه المسألة، ويعتبره العثماني في كتابه: "ما هي النصرانية" الوحيد الذي استوعب قضية الكفارة.
وخلاصة رأيه كما نقله العثماني:
- أن الله خلق الإنسان وترك فيه قوة الإرادة في حرية كاملة، وأنعم عليه، وحرم عليه تناول القمح.
لكن آدم وضع قوته الإرادية في غير موضعها عندما تناول ما حرم عليه، ولم يكن صعباً عليه تحاشي المعصية، إذ لم يكن يعرف يومذاك عواطف الهوس والشهوة.
ذنب آدم ذنب عظيم لأنه يتضمن ذنوباً عديدة:
أولها: الكفر، إذ اختار آدم أن يعيش محكوماً بسلطته، بدل أن يعيش في ظل الحكم الإلهي.
وثانيها: كفر وإساءة أدب مع الله، لأن الإنسان لم يتيقن في الله.
وثالثها: قتل نفسه، إذ جعل حكمها الموت.
ورابعها: الزنا المعنوي، لأن إخلاص الروح الإنسانية قد ضاع من أجل التصديق بقول الحية المعسول.
وخامسها: السرقة، إذ نال ما لا يحل له.
وسادسها: الطمع.
وهكذا كانت هذه الخطيئة أمَّاً لكل الأخطاء البشرية " والحق أنك مهما أمعنت في حقيقة أي إثم، فستجد له انعكاساً في هذه الخطيئة الواحدة ".

- جزاء هذه الخطيئة الشنيعة الموت الدائم، أو العذاب الدائم " لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت"، كما سلب آدم بعدها الحرية الإرادية بعد أن هزمه الذنب، فأصبح حراً في إتيان الإثم، وغير حرٍ في صنع المعروف، فالعقاب المعقول للذنب هو الذنب بعده، بعد تخلي رحمة الله عنه، وهكذا أصبحت الخطيئة مركبة من طبيعة الأبوين، وانتقلت منهما وراثة إلى سائر أبنائهما. (1)
ونلحظ في طرح أوغسطينوس التضخيم الكبير لمعصية آدم، والغاية منه كما هو واضح إغلاق طريق الرجعة وسدّ باب بالتوبة، تمهيداً لإشاعة عقيدة المخلص يسوع عليه السلام، والذي بآلامه فقط يمكن الخلاص من هذه الموبقات، وما ذكره أوغسطينوس في ذنب آدم من تهويل من الممكن أن نقوله عن سائر الذنوب، فالحقيقة أن ذنب آدم كسائر الذنوب دون عفو الله ومغفرته.
ولو توقف النصارى عند هذا الحد لكانت القضية شخصية متعلقة بآدم وزوجه فقط، لكن أوغسطينوس وغيره من النصارى يصرون على أن هذا الذنب لابد له من عقوبة قاسية، كما يرتبون على هذا الذنب مسألة خطيرة، وهي وراثة البشرية جمعاء لذنب أبويهم واستحقاقهم لتلك العقوبة القاسية.
ويؤكد أوغسطينوس على وراثة البشرية لذنب الأبوين، إذ أصبحت الخطيئة كامنة في طبيعتهما، وانتقلت وراثة إلى سائر الأبناء، فيولد الطفل وهو مذنب، لأن وباء الخطيئة كما يقول جان كالوين قد سرى إلى هذا الطفل وراثة، ويصوره القديس والراهب الدومنيكي توماس أكويناس (1274م) بالذنب تذنبه الروح، لكنه ينتقل إلى أعضاء وجوارح الإنسان.

وهكذا أصبح البشر جميعاً خطاة، وكما يقول عوض سمعان في كتابه " فلسفة الغفران في المسيحية ": وبما أن آدم الذي ولد منه البشر جميعاً كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة التي خلقه الله عليها، وأصبح خاطئاً قبل أن ينجب نسلاً، إذن كان أمراً بدهياً أن يولد أبناؤه جميعاً خطاة بطبيعتهم نظيره، لأننا مهما جُلنا بأبصارنا في الكون لا نجد لسنة الله تبديلاً أو تحويلاً، ولذلك قال الوحي: " بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم " ( رومية 5/12 - 21 ). (1)
ويشبه كالوني (أحد علماء البروتستانت) انتقال الخطيئة من آدم إلى بنيه بانتقال الوباء، فيقول: " حينما يقال: إننا استحققنا العذاب الإلهي من أجل خطيئة آدم، فليس يعني ذلك أننا بدورنا كنا معصومين أبرياء، وقد حملنا ظلماً ذنب آدم ... الحقيقة أننا لم نتوارث من آدم العقاب فقط، بل الحق أن وباء الخطيئة مستقر في أعماقنا، على سبيل الإنصاف الكامل، وكذلك الطفل الرضيع تضعه أمه مستحقاً للعقاب، وهذا العقاب يرجع إلى ذنبه هو، وليس من ذنب أحد غيره ".(2)
وشعر علماء النصرانية بما تحويه عقيدة وراثة الخطيئة من ظلم للإنسانية، فعلموا على تبريرها وتحسين صورتها، لتقبلها العقول وعقوبتها من دون اعتراض ولا إحساس بالظلم، فيقول ندرة اليازجي: " آدم هو مثال الإنسان، الإنسان الذي وجد في حالة النعمة وسقط، إذن سقوط آدم من النعمة هو سقوط كل إنسان، إذن خطيئة آدم هي خطيئة كل إنسان، فليس المقصود أن الخطيئة تنتقل بالتوارث والتسلسل لأنها ليست تركة أو ميراثاً.

إنما المقصود أن آدم الإنسان قد أخطأ، فأخطأ آدم الجميع إذن، كل واحد قد أخطأ، وذلك لأنه إنسان ". (1)
نقض فلسفة وراثة الخطيئة الأصلية
وهذه التبريرات المتهافتة والتشبيهات المتكلفة ما كان لها أن تقنع أحداً ممن يرى في وراثة الذنب ظلماً يتنزه الله عنه.
فتشبيههم لوراثة الذنب بعدوى المرض باطل، لأن المرض شيء غير اختياري، فلا يقاس الذنب عليه، كما أن المرض لا يعاقب عليه الإنسان.
وفصلُ أكونياس بين الروح والجسد، وقوله بأن الخطيئة تسري من الروح للجوارح خطأ، لأن الخطأ عندما يقع فيه الإنسان، فإنما يقع فيه بروحه وجسده، فالإنسان مركب منهما، ويمارس حياته من خلالهما معاً. أما آدم فهو غير مركب من آدم وأبنائه. (2)
لذا نصر على اعتبار وراثة الذنب نوعاً من الظلم لا يليق نسبته إلى الله عز وجل.
وهذا المعتقد الممجوج عقلاً لا دليل عليه في التوراة، بل الدليل قام على خلافه، إذ جاءت النصوص تنفي وراثة الذنب، وتؤكد على مسئولية كل إنسان عن عمله، ومنها:
" النفس التي تخطيء هي تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون " (حزقيال 18/20 - 21 ).
" لا يقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل " ( التثنية 24/16 ).
" بل كل واحد يموت بذنبه، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه " (إرمياء 31/30 ).
" الذي عيناك مفتوحتان على كل طرق بني آدم لتعطي كل واحد حسب طرقه، وحسب ثمرة أعماله " ( إرميا 32/19 ).
" لا تموت الآباء لأجل البنين، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته " ( الأيام (2) 25/4 ).

" فإنه لا يموت بإثم أبيه " ( حزقيال 18/17 ).
" أفتهلك البار مع الأثيم، عسى أن يكون خمسون باراً في المدينة، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين باراً الذين فيه، حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر: أن تميت البار مع الأثيم، فيكون البار كالأثيم. حاشا لك، أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً " ( التكوين 18/23 - 25).
كما نقض المسيح عليه السلام الخطيئة الأصلية بقوله: " لو لم آت وأكلمهم، لم تكن لهم خطيئة، وأما الآن فليس لهم حجة في خطيئتهم ... لو لم أعمل بينهم أعمالاً لم يعملها آخر، لما كانت لهم خطيئة، أما الآن فقد رأوا وأبغضوني " ( يوحنا 15/22 - 24 )، فالمسيح لا علم له بالخطيئة الأصلية الموروثة، لذا فهو يوبخهم على خطيئتهم تجاهه، يقرّعهم على عدم الإيمان به، مع تأكيده على أنهم " لم تكن لهم خطيئة " لو لم يأت إليهم بما آتاه الله من حجج وبراهين.
بطلان وراثة الخطيئة بإثبات براءة الكثيرين من الخطيئة الأصلية.

وللحديث بقية إن شاء الله
 __________
(1) انظر : الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام، أميمة الشاهين، ص (141)، المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، عبد الكريم الخطيب، ص (381).
(2) انظر : ما هي النصرانية، محمد تقي العثماني، ص (89).


المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان1

المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان: وها هي المزامير تبشر بالنبي الخاتم، ويصفه أحد مزاميرها، فيقول مخاطباً إياه باسم الملك: "فاض قلبي ...