الجمعة، 6 يونيو 2008

أسفار العهد القديم

أسفار العهد القديم
التوراة التي يؤمن بها اليهود والنصارى تتكون من أقسام عدة :
أ ) الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى والتي يقابلها عند المسلمين : التوراة. وهي: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر اللاويين، سفر العدد، سفر التثنية.
ويجدر التنبيه إلى أن فرقة السامريين اليهودية لا تؤمن بما سوى الأسفار الخمسة من توراتها السامرية، كما سيأتي بيانه.
ب) الأسفار التاريخية، وهي أسفار منسوبة لعدد من الأنبياء الذين عاصروا هذه المراحل التاريخية من حياة بني إسرائيل، وعددها اثني عشر: (سفر يشوع، سفر القضاة، سفر راعوث، سفر صموئيل الأول، سفر صموئيل الثاني، سفر الملوك الأول، سفر الملوك الثاني، سفر أخبار الأيام الأول، سفر أخبار الأيام الثاني، سفر عزرا، سفر نحميا، سفر أستير).
ج) أسفار الشعر والحكمة، وهي خمسة أسفار: (سفر أيوب، سفر المزامير، سفر الأمثال، سفر الجامعة، سفر نشيد الإنشاد)، وتنسب هذه المجموعة في غالبها إلى داود وسليمان، ومن المزامير ما ينسب إلى آخرين مجهولين يدعون بني قورح وأساف وإيثان (23 مزمورا)، ومنها المزامير اليتيمة (51 مزمورا)، ولا يعرف قائلها.
د) الأسفار النبوية، وتتكون من سبعة عشر سفرا، وهي : (سفر إشعيا، سفر إرميا، سفر مراثي إرميا، سفر حزقيال، سفر دانيال، سفر هوشع، سفر يؤئيل، سفر عاموس، سفر عوبديا، سفر يونان، سفر ميخا، سفر ناحوم، سفر حبقوق، سفر صفينا، سفر زكريا، سفر حجي، سفر ملاخي). وتسمى الأسفار الستة الأولى أسفار الأنبياء الكبار، والبقية الأنبياء الصغار.
هـ) أسفار الأبوكريفا السبعة، وهي: ( باروخ، طوبيا، يهوديت، الحكمة، يشوع بن سيراخ، المكابيين الأول، المكابيين الثاني). يسميها البعض الأسفار الخفية، وكانت هذه الأسفار موضع قبول من جميع النصارى حتى القرن السادس عشر الميلادي، في حين رفض البروتستانت قبولها تبعا لليهود في ذلك (1)، في حين يؤمن بها الأرثوذكس والكاثوليك، وإن كانوا يطبعونها منفردة في بعض النسخ الحديثة حرصا على الوحدة الدينية للمذاهب النصرانية.
وقد أقر قانونية هذه الأسفار جميعا مجمع "ترنت" الكاثوليكي سنة 1554 - 1563م، والأرثوذكس في مجمع "بيت المقدس" سنة 1672م.
ويطلق النصارى _ لا اليهود _ على الأجزاء الأربعة السالف ذكرها اسم العهد القديم، وتسمى أيضا الكتب والناموس، ويطلق اسم التوراة على الأجزاء الثلاثة الأخيرة تجوزا.
ترجع هذه التسمية إلى بولس، حين سمى التوراة بالعهد القديم في قوله: " عند قراءة العهد العتيق " (كورنثوس (2) 3/14). لتصبح الأناجيل والرسائل الملحقة هي العهد الجديد.
وقد تم تقسيم أسفار العهد القديم إلى إصحاحات في سنة 1200م على يد أسقف كانتربري الأسقف ستفنلان جتون (ت 1228م).
ثم رقمت جمل الإصحاحات في الطبعة الباريسية الصادرة عام 1551م.
وأما ترتيب الأسفار فقد أعيد غير مرة، وكان قد أقر له ترتيب في مجمع روما 382م، ثم عدل في ترنت 1546م، ولهذا التغيير علاقة قوية بقيمة الأسفار وأهميتها ودرجة ثبوتها.(1)
- ولا يؤمن اليهود ولا النصارى بالإلهام الحرفي للكتاب المقدس، بل يعتقدون أن كلا من كتبة الأسفار قد كتب بأسلوبه كما ألهمه الروح القدس، يقول بطرس: " كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" ( بطرس (2) 1/20 - 21 ).
- وعن أصحاب هذه الأسفار وكتبتها الأصليين تقول كنيسة دميانة: " لقد كتب العهد القديم في فترة 2500 سنة قبل الميلاد بواسطة أربعين كاتبا، يختلفون في صفاتهم، فمنهم الفلاسفة مثل موسى النبي، ومنهم الراعي البسيط جامع الجميز مثل عاموس، والقائد الحربي يشوع، وساقي الملك نحميا، ومنهم إشعيا رجل القصور، ودانيال رئيس الوزراء، وسليمان الملك صاحب الحكمة....
كما اختلف الكتاب عن بعضهم في ظروف تسجيل الوحي الإلهي، فموسى سجل أسفاره في البرية، وأما إرمياء فسجلها في ظلمة الجب، وأما داود النبي فكتب مزاميره عند سفوح التلال، وهو يرعى خرافه ... ورغم هذا نجد أن الكتاب المقدس يمتاز بوحدة ترابطية عجيبة لا تناقض فيها ولا خلل".(2)
فمعتقد النصارى في هذه الكتب - كما رأيت - أنها تحمل كلمة الله، وأنه كتبها أنبياء الله
بإلهام من الروح القدس، وهذه الدعاوى هي ما سنحاول دراسته والتوثق من صحته في هذه الحلقة من سلسلة الهدى والنور.

معتقد المسلمين في توراة موسى عليه السلام

معتقد المسلمين في توراة موسى عليه السلام
تبين آيات القرآن الكريم بجلاء موقف المسلمين من التوراة التي أنزلها الله تبارك وتعالى على نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، إذ يخبرنا القرآن أنها وحي الله وكتابه وهديه الذي أنزله هدى ونوراً لبني إسرائيل * إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) (المائدة: 44)، *وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس ) (آل عمران: 3-4).
ويقول تعالى مخاطباً المؤمنين، داعياً إياهم إلى الإيمان والتصديق بكل ما أنزل على الأنبياء السابقين: *قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) (البقرة: 136), ويقول واصفاً المؤمنين: *آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) (البقرة: 285).
وقد ذكر القرآن الكريم أن الله وكل إلى أهل الكتاب حفظ كتابهم *بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) (المائدة: 44)، لكن هل كان بنو إسرائيل أمناء على الأمانة التي وضعها الله في أعناقهم؟
القرآن يخبرنا أن اليهود قد امتدت أيديهم إلى الكتاب تتلاعب بمضامينه ومعانيه ، فذكر أنهم *يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به) (المائدة: 13).
كما أخبرنا الله تعالى أنهم كتموا بعضاً مما أنزل الله عليهم ، وأن الله بعث نبيه ومعه بيان كثير مما أخفوه ، ناهيك عما تجاوزه، فلم يظهره *يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ) (المائدة: 15).
ثم كانت إحدى أكبر مساوئهم أنهم كانوا يكتبون كتباً من عندهم، ثم ينسبونها إلى الله عز وجل *فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) (البقرة: 79)، وقال: * وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) (آل عمران: 78).
ووضح النبي ( صلى الله عليه و سلم ) هذا المعتقد حين قال: ((إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً، فاتبعوه، وتركوا التوراة)). (1)
واستقر هذا المعنى في نفوس الصحابة والمؤمنين بعدهم، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) أحدثُ، تقرؤونه محضاً لم يُشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً). (2)
ولا يمنع هذا من صحة بعض مواضع في التوراة، لما فيها من آثار الأنبياء، ففي التوراة حق وباطل كما أخبر الله ورسوله. ومن النصوص التي أشارت إلى وجود شيء من الحق في كتبهم ألبسوه بالباطل والزور قوله تعالى: *يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل وتكتمون الحقّ وأنتم تعلمون ) (آل عمران: 71)، وكذا قوله: *وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) (المائدة: 43)، وذلك في مسألة رجم الزاني، وهو مذكور في سفر التثنية، حيث يقول: " إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل، فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها، فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة، وارجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك" (التثنية 22/22-23).
وفي صحيح البخاري أن رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) قال: ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم )). (3)
وعلل سبب عدم التكذيب بوجود حق وصدق في كتبهم، حيث قال كما في رواية أبي داود : (( ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوه، وإن كان حقاً لم تكذبوه)). (1)
وعليه فنحن نؤمن بتوراة موسى كل الإيمان، ونؤمن بأنها حرفت ولم تحفظ، وأن القوم أخفوا شيئاً، وكتبوا أشياء، وضاع منهم الكثير، وما بين يديهم لا يخلو من بعض الحق.
وكثيراً ما نرى النصارى يستشهدون على صحة كتبهم بما جاء في القرآن من ثناء على كتاب موسى عليه السلام ، مدعين أنها توثق الأسفار التي بين يديهم، فهل أعجزتهم الحيل أم ضاقت بهم السبل ، إنهم يرومون توثيق هذه الكتب والأسفار بنصوص القرآن والسنة التي نطقت بتحريفهم.
لذا نراهم يقتطعون النصوص القرآنية اعتسافاً، فيوردون بعضها ويتغافلون عن الكثير مما لا يخدم فكرتهم، إنها طريقتهم دوماً *أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) (البقرة: 85)، وهم بذلك كما وصف الله *فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) (آل عمران: 7).
وعند جمع هذه النصوص في مكان واحد يستبين الحق ويستبصر الباحث عن الحق صراط الله المستقيم.
فمما يثبت أن هذه الأسفار ليست توراة موسى أن القرآن نسب إلى أسفار موسى الكثير من المعاني التي نفتقدها في النصوص الحالية، ومن ذلك قوله: * إنّ اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقّاً في التّوراة والإنجيل والقرآن) (التوبة: 111)، ولا وجود لهذا المعنى في العهد القديم ولا الجديد.
ومثله قوله تعالى: * بل تؤثرون الحياة الدّنيا * والآخرة خير وأبقى * إنّ هذا لفي الصّحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى ) (الأعلى: 16-19)، فهذا المعنى لا وجود له في صحف الأسفار المنسوبة لموسى والتي تخلو من الحديث عن الآخرة والقيامة، فضلاً عن المقارنة بينها وبين الدنيا.
ومثله نفتقد في الأسفار الحالية ما نسبه الله إلى توراته وإنجيله في سورة الأعراف من حديث عن النبي الأمي الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات * الّذين يتّبعون الرّسول النّبي الأمّيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم ) (الأعراف: 157).
وأمثال هذه الآيات كثير في القرآن ، ونفتقدها في الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى اليوم، وذلك مؤذن ببطلان استدلالهم بالقرآن على توثيق ما في أيديهم من الكتب، إذ توثيق القرآن ومدحه، إنما هما لكتاب الله ووحيه، وليس للمحرف من كتبهم، والمنسوب زوراً إلى الله عز وجل.

سلسلة الهدى والنور (1) هل العهد القدبم كلمة الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مع سلسلة الهدى والنور (1)
هل العهد القديم
كلمة الله ؟
______________
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع أنبياء الله المرسلين، وعلى نبينا محمد ، صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين.
وبعد:
مازال الصادقون في كل عصر وجيل يبحثون عن الهدى والنور، وقد أرسل الله رسله، حاملين للهدى والبينات والنور *إنا أنزلنا التوراة فيها هدى
ونور) (المائدة: 44)، * وقفّينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدّقاً لما بين يديه من التّوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدًى ونورٌ ومصدّقاً لما بين يديه من التّوراة وهدًى وموعظةً للمتّقين ) (المائدة: 46).
ثم جاء القرآن الكريم، الكتاب الخاتم أيضاً للدلالة على النور والهدى * يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً ممّا كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثيرٍ قد جاءكم من اللّه نورٌ وكتابٌ مبينٌ * يهدي به اللّه من اتّبع رضوانه سبل السّلام ويخرجهم من الظّلمات إلى النّور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيمٍ ) (المائدة: 15-16).
إلا أن كتب الله المنزلة على الأنبياء السابقين فُقدت بسبب ظروف كتابتها وطريقة حفظها، وتعرضت للتحريف والضياع، فضلّ البشر وتاهوا عن الهدى والنور.
وتوارث الناس كتباً بديلة نسبت إلى الله، لكنها كتب خالية - إلا قليلاً - من الهدى والنور ، فقد حملت هذه الأسفار المكتوبة في طياتها ضعف البشر وجهلهم، فجاءت هذه الكتابات متناقضة غاصّة بالكثير مما لا يرتضي العقلاء نسبته إلى الله ووحيه القويم.
وهذا لا يمنع أن يكون في هذه الأسفار بعض أثارة الأنبياء وبقايا من وحي السماء، لكنها كما أسلفت غارت في بحور من تخليط البشر وتحريفهم.
هذا مجمل إيمان المسلمين في الكتب السابقة، فهم يؤمنون بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه، لكنهم يرفضون أن يقال عن أسفار العهد القديم، أنها كلمة الله، وإن حوت بعض كلمته وهديه .
في حين يؤمن النصارى واليهود بقدسية هذه الأسفار، ويعتبرونها كلمة الله التي سطرها أنبياؤه، وتناقلها اليهود عبر تاريخهم الطويل.
وإزاء هذا الاختلاف الكبير بين موقفي الفريقين من أسفار العهد القديم، نطرح سؤالنا الهام: "هل العهد القديم كلمة الله؟"
وهو السؤال الذي نحاول الإجابة عنه في هذه الحلقة من السلسلة التي نتقدم بها للذين مازالوا يبحثون عن الهدى والنور من أهل الكتاب.
وقد نهجتُ في هذه السلسلة منهج الغوص في طيات الكتب المقدسة عند النصارى، لأبحث من خلال الركام الكبير من الباطل عن أثارة الحق الذي نطقت به الأنبياء، لأقيم من خلاله الحجة على أولئك الذين يؤمنون بقدسية هذه الكتب.
وقد أيدت ما بين يدي من نصوص بأقوال علماء الكنيسة، ومجامعها ومؤسساتها، كما استأنست بأقوال أحرار الفكر الغربيين الذين أنطقتهم الحقيقة بشيء من الإجابات التي نبحث عنها في هذه السلسلة، سلسلة الهدى والنور.
والله أسأل أن يهدينا جميعاً لما اختلفنا فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
د. منقذ بن محمود السقار
مكة المكرمة - شعبان - 1423هـ


الخميس، 5 يونيو 2008

خاتمة

خاتمة
نختم بعد هذه الجولة الطويلة فنقول بأننا نؤمن بالإنجيل الذي أنزله الله على المسيح هدى ونوراً للبشرية، ومبشراً برسالة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، وقد أضاعه النصارى { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به } (سورة المائدة: 14).
وأما ما تسطره رسائل العهد الجديد زاعمة أنه وحي الله من غير دليل ولا حجة، فقد تبين لنا بطلانه وتحريفه، وعليه سقط الاستدلال به على ما تزعمه النصارى من عقائد فاسدة لسقوط الدليل.
وقد ثبت لدينا وبالأدلة المتكاثرة أن العهد الجديد ليس كلمة الله، بل هو كتابات لمجهولين لا تصح نسبتها إلى الحواريين، وقد اقتبس الكتاب المجهولون رواياتهم من الوثنيات القديمة. ورأينا كيف نقل بعضهم عن بعض دون التزام الأمانة العلمية في النقل.
وثبت لدينا بتفحص أسفار العهد الجديد أن كتبتها ليسوا بملهمين لكثرة ما وقعوا فيه من أخطاء وتناقضات لا تستقيم مع دعوى النبوة والعصمة التي لم يزعموها لأنفسهم، وقد نسبهم إليها آباء الكنيسة ومجامعهم.
وبقرار هؤلاء الآباء أضحت هذه الكتابات دون غيرها من كتابات القرن الميلادي الأول كتابات مقدسة تحمل وحي الله، فيما أصبح قراءة غيرها مستوجباً للقتل ثم للنار والطرد من رحمة الله.
وتتابع إخفاق العهد الجديد حتى في الأمور الأخلاقية، حيث قدم مُثل وأخلاقيات تبأس معها الحياة البشرية وتتوقف عند تطبيقها الحضارات الإنسانية، وفي مقابل ذلك نسبت الأسفار الكثير من القبائح إلى المسيح عليه السلام، لتدلل من الجديد أنها ليست كلمة الله.
وصدق الله إذ يقول: { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به
ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } (النساء: 79).
ولا يسعني وأنا أشكر القارئ الكريم على قراءته لهذه السطور إلا أن أتوجه إليه بدعوة مخلصة لقراءة الحلقة التالية من حلقات سلسلة الهدى والنور، وهي بعنوان : الله جل جلاله، واحد أو ثلاثة؟
واللهَ نسأل أن يشرح صدورنا لما اختلفنا فيه من الحق بإذنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
* الكتاب المقدس. طبعة : دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة البرتستانتية).
* الكتاب المقدس. طبعة : دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة الأرثوذكسية الكاثوليكية).
* الكتاب المقدس. طبعة: الرهبانية اليسوعية (نسخة كاثوليكية) . توزيع جمعيات الكتاب المقدس في المشرق. بيروت.
* الكتاب المقدس . (الأسفار المقدسة اليونانية). ترجمة العالم الجديد لجماعة شهود يهوه.
* إنجيل برنابا. ترجمة : خليل سعادة. ط. دار الوثائق. الكويت، 1406 هـ.
--------------
* إسرائيل حرفت الأناجيل والأسفار المقدسة. أحمد عبد الوهاب. ط1.مكتبة وهبة. القاهرة، 1972م.
* الأسفار المقدسة قبل الإسلام. صابر طعيمة. عالم الكتب. ط1. بيروت، 1406هـ.
* إظهار الحق. رحمة الله الهندي. تحقيق : محمد أحمد ملكاوي. ط1. دار الحديث. القاهرة، 1404هـ.
* البرهان المبين في تحريف أسفار السابقين. أحمد عبد الوهاب. مكتبة التراث الإسلامي. القاهرة.
* التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، مجموعة من العلماء اللاهوتيين.
* تفسير العهد الجديد، وليم باركلي، تعريب القس: منيس عبد النور، ط3، دار الثقافة المسيحية، 1984م.
* التوراة والإنجيل والقرآن والعلم. موريس بوكاي. ترجمة : حسن خالد. ط2. المكتب الإسلامي. بيروت، 1410هـ.
* حول موثوقية التوراة والأناجيل. محمد السعدي. منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية. طرابلس. ليبيا، 1406هـ.
* دراسة عن التوراة والإنجيل. كامل سعفان. دار الفضيلة. القاهرة.
* دعوة الحق بين المسيحية والإسلام. منصور حسين عبد العزيز. ط2. مكتبة علاء الدين. الإسكندرية، 1972م.
* شرح بشارة لوقا، القس الدكتور إبراهيم سعيد، ط4، دار الثقافة المسيحية، 1986م.
* العقائد الوثنية في الديانة النصرانية. محمد طاهر. محمد المجذوب. دار الشواف، 1992م.
* الفارق بين الخالق والمخلوق. عبد الرحمن البغدادي. ضبط وتعليق : عصام فارس الحرستاني. ط1. مكتبة دار عمار. عمان، 1409هـ.
* قراءات في الكتاب المقدس. عبد الرحيم محمد. ( بدون معلومات نشر ).
* القرآن الكريم والكتاب المقدس. أيهما كلمة الله ؟أحمد ديدات.
الكتاب المقدس في الميزان. عبد السلام محمد. ط1. دار الوفاء، 1412هـ.
* الله جل جلاله والأنبياء عليهم السلام في التوراة والعهد القديم. محمد علي البار. ط. دار القلم. دمشق، 1410هـ.
* المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح. علاء أبو بكر. ط1. مكتبة وهبة. القاهرة، 1418هـ.
* المناظرة الحديثة في علم مقارنة الأديان. أحمد ديدات. جمع وترتيب : أحمد السقا. ط1. مكتبة زهرة، 1408هـ.
* مناظرة العصر. أحمد ديدات و القس أنيس شروش. ترجمة : علي الجوهري. دار الفضيلة.
* مناظرتان في استكهولم. أحمد ديدات والقس شوبرج. دار الفضيلة.
* هل الكتاب المقدس كلمة الله ؟أحمد ديدات. ترجمة : نورة النومان. دار الهجرة. دمشق، 1408هـ.
هل هذا هو المسيح؟
وآخر ما نختم به جولتنا لإثبات براءة الوحي من أسفار العهد الجديد، أن نعرض لبعض ما ينسبه كُتّاب العهد الجديد إلى المسيح من أخلاق أو صفات لا يليق أن تصدر من كرام البشر وعقلائهم، فضلاً عن أن يقع فيها نبي كريم جعله الله قدوة صالحة للعالمين.
وثمة صور كثيرة تسيء للمسيح، لن يغفرها مدح الأسفار للمسيح في مواطن أخرى، ومن أهم تلك الصور المزرية التي نسبها الإنجيليون إلى المسيح زوراً وبهتاناً: أن متى يتهم المسيح بعدم الحرص على وصول ضعاف الإيمان إلى المغفرة والهداية، بل يزعم أنه حجب أسبابها عنهم، يقول: " ولما كان وحده سأله الذين حوله مع الاثني عشر عن المثل، قال لهم: قد أُعطي لكم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله، وأما الذين هم من خارج فبالأمثال يكون لهم كل شيء، لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا، ويسمعوا سامعين ولا يفهموا، لئلا يرجعوا فتُغفر لهم خطاياهم.
ثم قال لهم: أما تعلمون هذا المثل، فكيف تعرفون جميع الأمثال ... وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا ... وبدون مثل لم يكن يكلمهم، وأما على انفراد فكان يفسر لتلاميذه كل شيء" (مرقس 4/10-33)، فقد كان يخص التلاميذ بالبيان والشرح، ويحرمه آخرين ممن يتحدث أمامهم بالأمثال فقط " لكي يبصروا مبصرين ولا ينظروا، ويسمعوا سامعين ولا يفهموا" لقد كان يتعمد ذلك إضلالاً لهم "لئلا يرجعوا، فتُغفر لهم خطاياهم ".
وذكرت الأناجيل وصية المسيح بالأم والأب، ثم لما كان المسيح في عرس بقانا تذكُر أنه أساء لوالدته، ففي يوحنا أنها طلبت منه تحويل الماء الذي في الجرار إلى خمر يشربه أهل العرس فقال لها : " مالي ولك يا امرأة، لم تأت ساعتي بعد " ( يوحنا 2/4 )، وهي ذات الكلمة التي قالها للزانية التي أتي بها لترجم " قال لها: يا امرأة" (يوحنا 8/10).
ولما جاء واحد من تلاميذه يخبره أن أمه وإخوته ينتظرونه ليكلموه، لم يقم لاستقبالها والترحاب بها، بل قال بجفاء - حسب زعم متى -: "من هي أمي ؟ ومن هم إخوتي ؟!" ( متى 12/48 )، فهل يعقل أن المسيح يتجاهل أمه بهذه الطريقة؟
ويكذبهم القرآن ، فما كان للمسيح أن يسيء لوالدته، بل هو كما يقول عن نفسه: { وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً } (سورة مريم: 32).
ومثله لا يصح أن ينسب إلى المسيح ذلك القول المريع الذي ينسبونه إلى نبي المحبة والسلام، وهو قوله: " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً، بل سيفاً، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنّة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته " (متى10/34 - 36)، فهل جاء المسيح لنشر الفساد والبغضاء! إنها إساءة كبرى لهذا النبي العظيم، تدل على كذب الكتبة الذين يزعم النصارى أنهم يكتبون كلمة الله.
ويشبهه قول لوقا: "جئت لألقي ناراً على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت .. أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض. كلا، أقول لكم: بل انقساماً. لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين، ثلاثة على اثنين، واثنان على ثلاثة، ينقسم الأب على الابن، والابن على الأب، والأم على البنت، والبنت على الأم، والحماة على كنّتها، والكنّة على حماتها" (لوقا 12/49- 53)، فهل صدق الإنجيليون حين زعموا أن المسيح كان نبي فساد؟ حاشاه، فهذا بهتان عظيم.
وتبع رجل المسيح يريد أن يتشرف باتباعه، ثم جاءه يستأذنه ليدفن أباه، فيزعم متى أن المسيح نهاه وقال: " اتبعني. ودع الموتى يدفنون موتاهم " ( متى 8/22 )، فهل يفعل هذا كرام الناس؟ وهل هذا من البر بالوالد؟ وما الأثر الذي يتركه هذا النص على قارئه في القرن الواحد والعشرين؟ وهل لهذا الامر الغريب علاقة في الكثير مما نراه من العقوق والجفاف في المجتمعات الغربية المسيحية؟
واستأذنه تلميذ آخر في وداع أهله، فلم يأذن له، بل أنَّبه "وقال آخر أيضاً: أتبعك يا سيد، ولكن ائذن لي أولاً أن أودع الذين في بيتي، فقال له يسوع: ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله" (لوقا 9/61-62)، فهذا التلميذ لا يصلح لملكوت الله لأنه أراد وداع أهله! أي دين هذا! وأي تعاليم هذه؟ هل هذا ما تحث عليه كلمة الله؟
ولا ريب أن هذه النصوص وأمثالها سبب لكثير مما تعانيه أوربا والغرب من تفكك أسري وتقاطع بين الأرحام بل وفي الأنساب.
- ومن الجفاء الذي يتنره عنه المسيح، بل وكرام البشر، ما جاء في متى: " تقدم إليه رجل جاثياً له، وقائلاً: يا سيد ارحم ابني، فإنه يصرع ويتألم شديداً، ويقع كثيراً في النار، وكثيراً في الماء. وأحضرته إلى تلاميذك، فلم يقدروا أن يشفوه. فأجاب يسوع، وقال: أيها الجيل غير المؤمن الملتوي، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى احتملكم؟ قدموه إليّ ههنا. فانتهره يسوع، فخرج منه الشيطان، فشفي الغلام" (متى 17/14-16)، إذ ليس من مبرر لهذا التبرم من قضاء حوائج الناس.
- ومرة أخرى تبالغ الأناجيل في الإساءة للمسيح في قصة المرأة الكنعانية أو الفينيقية التي جاءت إلى المسيح تطلب منه شفاء ابنتها المجنونة، وهي تبكي، وتقول : " ارحمني يا سيد، يا ابن داود، ابنتي مجنونة جداً، فلم يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه، وطلبوا إليه قائلين : اصرفها، لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال : لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. فأتت وسجدت له قائلة : يا سيد أعني. فأجاب وقال : ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب. فقالت : نعم يا سيد، والكلاب تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها. حينئذ أجاب يسوع وقال لها : يا امرأة عظيم إيمانك، ليكن لك كما تريدين " ( متى 15 /22 - 28 ).
…فمثل هذه الغلظة وهذا الجفاء مع قدرته على شفاء ابنتها لا مبرر له، كيف لا يشفق ولا يرحم تلك المسكينة، وكيف يشبهها، بل وجميع الأمميين من غير اليهود بالكلاب؟! وفي مرة أخرى شبههم بالخنازير، حين أوصى فقال: "لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرركم قدام الخنازير" (متى 7/6).
ولا يقبل أن يوصم المسيح - الذي يزعمون أنه نزل لخلاص العالم - بمثل هذه التفرقة العنصرية البغيضة.
وإذا قيلت تلك الشناعة بحق السيد المسيح وهو الرسول القدوة، فلا عجب بعد ذلك في انتشار التفرقة العنصرية التي يؤكدها العهد الجديد بقول بولس: " لكن ماذا يقول الكتاب ؟ اطرد الجارية وابنها، لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة، إذاً أيها الإخوة لسنا أولاد جارية، بل أولاد حرة " ( غلاطية 4/31 ).
كم هو الفرق بين هذه النظرة العنصرية البغيضة وما جاء في القرآن الكريم { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } (سورة الحجرات : 13).
يقول ول ديورانت في "قصة الحضارة": " إن الإنسان ليجد في الأناجيل فقرات قاسية مريرة لا توائم قط ما يقال لنا عن المسيح في مواضع أخرى ... إن بعضها يبدو لأول وهلة مجانباً العدالة، وإن منها ما يشتمل على السخرية اللاذعة والحقد المرير ".
- ومن عجائب العهد الجديد أنه يعتبر المسيح ملعوناً ، اللعن هو الطرد من رحمة الله، وهو عقوبة الله للعصاة والمجرمين، كمن يعبد الأصنام أو يزني بمحارمه أو يستخف بوالديه وغيرهم ممن لا يقيم كلمات ناموس الله. (انظر التثنية 27/15-26).
لكن بولس لا يجد غضاضة أن يجعل المسيح عليه السلام في زمرة هؤلاء الملعونين من الله، فيقول: "المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب: ملعون كل من علّق على خشبة" (غلاطية 3/12)، إذ لم يجد وسيلة يوفق فيها بين لعن المصلوب في شريعة موسى وإدعائه طلب المسيح، فجعله ملعوناً مطروداً من رحمة الله، وأسبغ على هذه المهانة للمسيح ثوباً فلسفياً ، حين جعل طرد المسيح من رحمة الله، إنما هي نيابة عنا معاشر الخطاة.
وتذكر الأناجيل على لسان المسيح الكثير من السباب والشتائم لليهود، وهم مستحقون لذلك، غير أن مثل هذا لا يصدر من نبي أرسله ربه ليعلم قومه حميد الأخلاق، كما لا يصدر ممن يقول: " باركوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم " ( متى 5/44 ).
فكيف يقول بعد ذلك لقومه: " ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون .. ويل لكم أيها القادة العميان .. أيها الجهال والعميان .. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم؟ " ( متى 23/13 - 37 ).
وهل يعقل أن يقول ذاك الذي أمر بمباركة الأعداء ومحبتهم والإحسان إليهم، هل يمكن أن يقول لهم: " يا أغبياء " (لوقا 11/37)، أو أن يصفهم بأنهم كلاب وخنازير: "لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير، لئلا تدوسها بأرجلها، وتلتفت فتمزقكم" (متى 7/6).
وقد طال السباب المنسوب للمسيح حتى تلاميذه وخاصته، فقد قال لتلميذيه اللذين لم يعرفاه: " أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء" (لوقا 24/25)، وقال لبطرس: "اذهب عني يا شيطان " ( متى 16/23 ).
وقال مخاطبا إياه في موطن آخر: "يا قليل الإيمان لماذا شككت " ( متى 14/31 ).
لكن الداهية الدهياء حين ينسب كُتاب العهد الجديد إلى المسيح سِباب إخوانه من الأنبياء وتشبيههم باللصوص والسراق، واتهامهم بعدم الحرص على هداية أقوامهم، فيقول يوحنا: " قال لهم يسوع أيضاً: الحقَ الحقَ أقول لكم: إني أنا باب الخراف، جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص. ولكن الخراف لم تسمع لهم. أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى. السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك.
وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل. أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف. وأما الذي هو أجير وليس راعياً الذي ليست الخراف له، فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب. فيخطف الذئب الخراف ويبددها" (يوحنا 10/7-12).
ثم وفي موطن آخر يتوعد بجهنم من قال لأخيه أقل من ذلك، فيقول: " ومن قال: يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (متى 5/23).
وقريباً من هذا السِباب ما يقوله بولس في مواطن كثيرة من رسائله، منها: "انظروا الكلاب، انظروا فعلة الشر" (فيلبي 3/2)، ومثله كثير...
ثم يذكر بولس أن من بين الذين يُحرَمون من الملكوت أولئك الذين يشتمون، فيقول: "ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله" (كورنثوس (1) 6/10)، فهل تراه يقصد نفسه والمسيح أم أن لهما امتيازاً على سائر الشاتمين، أم هو ضلال البشر حين ينسبون القبائح إلى أحد أكرم المرسلين، ثم يزعمون أنه كلمة الله؟
ولا عجب بعد ذلك ما فعل البشر من السباب والقبح والرذيلة.
ويستمر الإنجيليون في الإساءة المتعمدة إلى المسيح عليه السلام، ويصفونه بالمزيد من القبائح وهم يتحدثون عن نسب للمسيح الذي ليس له نسب بشري، والعجيب أنهم جعلوا نسب يوسف النجار نسباً للمسيح الذي لا أب له، وليس ثمة علاقة بينه وبين يوسف النجار، ولو كان المذكور نسب مريم لكان له وجه، أما يوسف النجار فلا وألف لا.
وقد ذكر الإنجيليون في مرات عديدة أن النجار هو أب المسيح، منها ما نسبه لوقا إلى مريم : "وبعدما أكملوا الأيام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في أورشليم، ويوسف وأمه لم يعلما، إذ ظناه بين الرفقة ... يا بني لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين " (لوقا 2/41-48)، فجعل لوقا النجارَ أباً للمسيح الذي لا علاقة له به!
ونسبة المسيح إلى يوسف النجار علاوة على أنها غير حقيقية، فإنها تؤكد ماكان اليهود يشيعه عن مريم وابنها، وما هو موجود في تلمودهم من قولهم على مريم البتول الطاهرة بهتاناً عظيماً.
وعند التأمل في نسب متى ، فإنا نلحظ أنه ذكر في نسب المسيح أربع جدات للمسيح هن ثامار، وزوجة داود التي كانت لأوريا الحثي، وراحاب، وراعوث. فما السر في ذكر هؤلاء الجدات دون سائرهن ؟ هل كُن نساء فوق العادة حتى خلّدهن الإنجيل؟ هل ثمة درس يعلمنا إياه الكتاب المقدس بخصوص تعظيم المسيح عليه السلام؟
إن لكل واحدة من الأربع سوءة تذكرها التوراة، فأما ثامار فهي التي ولدت فارص زناً من والد أزواجها الذين تعاقبوا عليها واحداً بعد واحد. ( انظر قصتها مع يهوذا في التكوين 38/2 - 30 ).
وأما زوجة أوريا الحثي فهي التي تتهم التوراة - زوراً - داود بأنه فجَر بها، وهي زوجة قائده أوريا الحثي، فحملت، ثم دفع داود بزوجها إلى الموت، وتزوجها بعد وفاته، وكان من أولادها النبي سليمان أحد أجداد المسيح. ( انظر القصة في صموئيل (2) 11/1 - 4 ).
وأما راحاب زوجة سلمون، وأم بوعز، وكلاهما من أجداد المسيح - حسب متى -، فراحاب هي التي قال عنها يشوع: "امرأة زانية اسمها راحاب " ( يشوع 2/1 )، وذكر قصة زناها في سفره.
وأما راعوث فهي راعوث المؤابية زوجة بوعز وأم عوبيد، والتوراة تقول: " لا يدخل عموي ولا مؤابي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر " ( التثنية 23/3 ).
ولحسن الحظ هذه المرة فإن المسيح ليس داخلاً في هذا الطرد من جماعة الرب، إذ هو الجيل الثاني والثلاثون لها.
وهذه الجدة المؤابية - على كل حال - أفضل من الجدات الثلاث، إذ لم يذكر الكتاب لها زنى، فقد اكتفت بإغراء بوعز، فتزينت ونامت تحت رجليه تنفيذاً لنصيحة حماتها، حيث قالت لها: "فاغتسلي وتدهّني، والبسي ثيابك، وانزلي إلى البيدر .. ومتى اضطجع فاعلمي المكان الذي يضطجع فيه، وادخلي واكشفي ناحية رجليه، واضطجعي وهو يخبرك بما تعملين ... فنزلت إلى البيدر، وعملت حسب كل ما أمرتها به حماتها" (راعوث 3/3-6 ).
وهنا يقف المرء حائراً متسائلاً عن سر الاهتمام بهؤلاء الجدات دون سائر الجدات ، ولا أجد من تفسير إلا أن هناك من يرغب في تلطيخ سمعة الأنبياء والنيل منهم والحط من شرفهم بدءاً من نوح وانتهاء بالمسيح ، عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.
وفي محاولة يائسة لتبرير هذه السقطة لمتّى وتلك الإساءة الكبرى منه لشخص المسيح، يقول القمّص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره لإنجيل متى: "المسيح وضع على ذاته نسب هذه الطبيعة التي تنجست لكي يطهرها، أي يريد أن يقول: إن من جاء من أجل الخطاة ولد من خاطئات ليمحو خطايا الجميع ".
وأما أجداد المسيح الذكور الذين ذكر متى منهم اثنان وثلاثون أباً ( إلى داود ) وذكر لوقا اثنان وأربعون أباً، فهؤلاء أيضاً لا يتشرف المسيح بأن يكونوا من آبائه - لو كان ما تذكره التوارة عنهم صحيحاً، وحاشا أن يكون ذلك صحيحاً - ، فإن أربعة من هؤلاء الآباء تذكر التوراة أنهم فعلوا الزنا، وبعضهم كان الزنا المنسوب إليه زنا محارم، وهؤلاء الأربعة هم يهوذا، وداود، وسليمان، ورحبعام.
وأما يهوياقيم بن يوشيا أحد الأجداد المزعومين للمسيح، فهو اسم آخر يسيء إلى المسيح عليه الصلاة والسلام، فيهوياقيم ملك فاسد، عاقبه الله بالحرمان ونسله من بعده، فقال عنه: " لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً، وأعاقبه ونسله وعبيده على إثمهم " (إرميا 36/30 - 31 ).
ويهوياقيم أحد أجداد المسيح الذين أغفل متى ذكرهم ، فقد ذكر أباه يوشيا وابنه يكينيا ، فقال: " ويوشيا ولد يكنيا وإخوانه عند سبي بابل " (متى 1/11).
وهو بذلك تجاهل اسم يهوياقيم، وقد ذكره سفر الأيام الأول " بنو يوشيا: البكر يوحانان، الثاني يهوياقيم، الثالث صدقيا، الرابع شلّوم. وابنا يهوياقيم: يكنيا ابنه، وصدقيا ابنه" (الأيام (1) 3/14-15)، فيهوياقيم اسم أسقطه متى من نسبه للمسيح، بين يوشيا وحفيده يكنيا.
ولا يخفى على فطنة القارئ سبب إسقاطه لاسم هذا الملك الفاسق المحروم وذريته من الجلوس على كرسي داود.
إذ أن ذلك الوعيد ليهوياقيم يتعارض مع زعم النصارى أن المسيح سيرث كرسي داود، فإن لوقا في أعمال الرسل: " من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد، ليجلس على كرسيه " ( أعمال 2/30 ) ويقول: " الرب الإله يعطيه كرسي داود أبيه " ( لوقا 1/32 )، فلم يجد متى من سبيل لإزالة التعارض إلا أن يسقط اسم يهوياقيم من سلسلة أجداد المسيح، ولعله ظن أن صنيعه سيُذهل القارئ عن هذا العيب الكبير، الذي يحرم المسيح من أحد أعظم نبوءات وبشارات الكتاب المقدس.
وكعادة المفسرين المغرمين بالبهلوانيات يقول مفسرو الإنجيل وعلماء اللاهوت لتبرير ذكر هؤلاء الأجداد وأولئك الجدات المذكورات للمسيح : " هنا تكمن الروعة برُمتها، فإن الله أحب الخطاة إلى درجة أنه لن يستنكف أن يجعل أسلاف ابنه مثل هؤلاء ".(1)
وهكذا نرى في هذه الإساءت المتلاحقة من الإنجيليين إلى المسيح عليه الصلاة والسلام دليلاً آخر يشهد ببراءة وحي الله عن هذا السفه، وذلكم الإفك الذي يتنزه عنه أنبياء الله الكرام، الهداة الدعاة، ملح الأرض وزينتها، ومنهم سيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام.

الأثر التشريعي والأخلاقي للعهد الجديد

الأثر التشريعي والأخلاقي للعهد الجديد
جاء في كلام المسيح " احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة، من ثمارهم تعرفونهم، هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً، هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً ردية.
لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع ثماراً ردية، ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة، كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، فإذاً من ثمارهم تعرفونهم " ( متى 7/15 - 20 ).
يسوق المسلمون هذا النص الإنجيلي ويطلبون من النصارى التحاكم إليه، ومن ثم تكون الثمار دالة على حسن الغرس أو سوئه.
واقع المجتمعات النصرانية
وعند النظر إلى المجتمع النصراني بشكل عام يسجل المحققون على المجتمع النصراني انتشار عدد من الموبقات، من أهمها : (الزنا والشذوذ - الانتحار والجرائم - التمييز العنصري البغيض - التفكك الأسري والعلاقات الاجتماعية السيئة - المخدرات والمسكرات والخمور - الانسلاخ من الدين وشيوع الإلحاد - الوحشية مع الأمم الأخرى ...).
ويتبين من هذا كله من خلال بعض الأرقام التي أوردها المحققون نقلاً عن إحصائيات صادرة في الغرب إضافة إلى قراءتهم الصحيحة للمجتمع النصراني.
فقد نشرت مجلة بونتي الألمانية إحصاءً حول معتقدات الألمان، ونتيجة الإحصاء أن 65% من الألمان يؤمنون بالله، و50% يؤمنون بالحياة بعد الموت والجزاء فيه.
أنه ثمة نصوص تصطدم مع طبيعة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها، ومنه ما جاء في العهد الجديد من حث على التبتل وترك الزواج يقول بولس: " أقول لغير المتزوجين وللأرامل: إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا " ( كورنثوس (1) 7/8 ).
وفي نص آخر يقول: " لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله " ( رومية 8/7 )، وعليه فالأكل والشرب والنوم والزواج ... وغيرها من حاجات الإنسان الفطرية إنما يمارسها الإنسان وهو يعادي ربه، وهذه حرب على الفطرة الإنسانية.
وأما التلميذ يعقوب فيبالغ في تحذيره من محبة العالم ، من غير أن يفرق بين الخير والشر، فيقول: "أيها الزناة والزواني، أما تعلمون أن محبة العالم عداوة للّه، فمن أراد أن يكون محباً للعالم فقد صار عدواً للّه" (يعقوب 4/4)، فهل محبة الخير أو الوالدين أو حتى شهوات الإنسان الفطرية من نكاح وتناسل وطعام وشراب، هل محبة هذه المحبوبات عداوة لله؟!
- وفي مرة أخرى ينسب متى إلى المسيح أنه قال: " يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، من استطاع أن يقبل فليقبل " ( متى 19/12 ).
- ويذكر متى دعوة المسيح إلى التخلي عن الدنيا بما فيها الحاجات الأساسية والضرورية للحياة الإنسانية السوية، فقد جاءه رجل فقال للمسيح بأنه حفظ الوصايا كلها " فماذا يعوزني بعد؟ قال له يسوع : إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال واتبعني، (لكن الشاب الصالح) مضى حزيناً، لأنه كان ذا أموال كثيرةً.
فقال يسوع لتلاميذه: الحق أقول لكم : إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من دخول غني إلى ملكوت الله، فلما سمع تلاميذه بهتوا جداً قائلين : إذاً من يستطيع أن يخلص " ( متى 19/20 - 25 ).
فهذا النص وأمثاله محارب لدفعة الحياة التي بها يقوم العمران والحضارات.
ومثله تلك الدعوة التي نرى فيها دعوة للتكاسل والقعود، تبأس البشرية إن فعلتها، وهي ما جاء في لوقا: " لاتهتموا لحياتكم بما تأكلون، ولا للجسد بما تلبسون، الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس، تأملوا الغربان إنها لا تزرع ولا تحصد، وليس لها مخدع ولا مخزن، والله يقوتها ... تأملوا الزنابق كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل ... فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون وما تشربون، ولا تقلقوا ... بل اطلبوا ملكوت الله، وهذه كلها تزاد لكم " ( لوقا 12/22 - 31 ).
- ومثله يذكر متى أن المسيح أمر تلاميذه: " لا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناطقكم، ولا مزوداً للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصاً " ( متى 10/9 - 10 )، فكيف تعمر الأرض لو امتثل الناس جميعاً بهذا الأمر المحال.
- ومما يصادم الفطرة الإنسانية المثالية غير المعقولة ولا المحمودة في بعض فقرات العهد الجديد كما في قول متى الذي نسبه إلى للمسيح في قوله : "وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم" (متى 5/44)، فعلاوة على كون الأمر بمحبة الأعداء أمراً محالاً لم تطبقه المجتمعات النصرانية في يوم من الأيام، فإنه لا يحسن أن يكون المسيح قد أمر بمحبة الشيطان، أكبر أعداء الإنسان، ومثله يقال في شياطين الإنس الذين يبغضهم الله، ولا يحسن بالمؤمن أن يحبهم وقد أبغضهم ربه جل وعلا.
وتزداد النكارة والغرابة من أمر الكتاب المؤمنين بمحبة أعدائهم مهما أساؤوا وصنعوا، بينما يطلب في موضع آخر من المؤمنين أن يبغضوا أولئك الذين أحسنوا إليهم أو يلوذون بهم من والِدين وإخوة وأبناء، فإن بغضهم وكراهيتهم شرط للتلمذة عند السيد المسيح كما زعم لوقا "إن كان أحد يأتي إلي، ولا يبغض أباه وأمه وأولاده وإخوانه حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون تلميذاً " (لوقا 14/26 - 27 ).
ثانياً : العجز التشريعي للعهد الجديد
ورأى المحققون أيضاً أن تشريعات الأناجيل عاجزة عن إقامة الحياة المستقيمة المتكاملة بما تحمل هذه الأناجيل من مثالية مقيتة يستحيل أن تصلح الحياة معها، ومن ذلك ما نسبه متى إلى المسيح: "من لطمك على خدك، فحول له الآخر أيضاً " ( متى 5/39 )، وقد ورد النص في مقابل القصاص، ولذلك فهو إلغاء لشريعة القصاص، أو إضافة أخلاقية تفتقر إلى المعقولية، وكأني به يحث على الرضا بالضيم والظلم، وهو ولا ريب سبب عظيم في ظهور الفساد والبغي.
ومثله قول لوقا: " من ضربك على خدك الأيمن فاعرض له الآخر، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك.... ومن أخذ الذي لك فلا تطالبه به " ( لوقا 6/28 - 29 )، فهل يصنع هذا احد من العقلاء؟ ولو صنعه الناس فأي واقع من الظلم والاضطهاد والشرور سيكون؟!
وهنا نتساءل : لو كان هذا النص من كلام المسيح، فلم خالفه عندما ضربه خدم رؤساء الكهنة فلم يعرض له الخد الآخر، بل قال له: " إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردي، وإن حسناً فلماذا تضربني " (يوحنا 18/23 ).
كما ثمة تساؤل آخر يبحث عن إجابة: هل طبقت الكنيسة هذا الخلق في جولة من جولاتها أم أن واقع الحال يؤذن بأن هذا المقال من المحال، وإذا عجزت الكنيسة والمسيح عن ذلك، فغيرهما عنه أعجز.
ويحرم العهد الجديد الطلاق إلا بعلة الزنا، فيقول: " فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان .. أقول لكم: إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني " (متى 19/6 - 9).
وهذا التشريع سبب من أسباب انتشار البغاء، إذ هو المخرج والسبيل الذي يلجأ إليه أولئك الذين حالت مشاكل الحياة واختلافات البشر دون إكمال مسيرتهم الزوجية، وحرم عليهم العهد الجديد أن يبنوا حياتهم على الطُهر من جديد.
ولكن كل ما ذكرناه ليس إلا أسباباً جانبية للبلاء، وأما أسّ البلاء الذي تعاني منه المجتمعات النصرانية فيكمن في عقيدة الخلاص والفداء، والتي تجعل الإيمان بصلب المسيح كافياً للخلاص ومحرراً من لعنة الناموس والشريعة التي نسخها بولس بأقواله ، لقد نسخ - بجرة قلم - كل ما قررته الشريعة من تحريم وتجريم وعقوبة من ارتكب الموبقات المختلفة من زنا وشرب للخمور وقتل وفساد، إذ الإيمان بالمسيح المصلوب نيابة عنا يكفر خطايانا مهما عظمت، وهكذا يمضي المؤمن بهذه النصوص إلى ضروب الرذيلة وفنونها غير خائف من عقاب الله ودينونته.
لقد سمى بولس شريعة الله التي تهذب السلوك البشري: لعنة، فقال: " المسيح افتدانا من لعنة الناموس" (غلاطية 3/13).
وأعلن عن عدم الحاجة إليها بعد صلب المسيح فقال: " قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان، ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب " ( غلاطية 3/24 - 25 ).
وأكد إبطال الناموس بقوله: "سلامنا الذي جعل الاثنين واحد ... مبطلاً بجسده ناموس الوصايا" ( أفسس 2/14-5 ).
ويقول أيضاً: " الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما " ( غلاطية 2/16 ).
وهؤلاء الذين يصرون على العمل بالناموس يرى بولس أنهم يسيئون للمسيح: " قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس " ( غلاطية 5/4 ).
ويمضي مؤكداً عدم الحاجة إلى الأعمال الصالحة، فيقول: " إن كان بالناموس بر، فالمسيح إذاً مات بلا سبب " ( غلاطية 2/21 ).
ويقول: " أبناموس الأعمال؟ كلا بل بناموس الإيمان، إذا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس " ( رومية 3/27-28 ).
ويؤكده في قوله: " نشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم " ( يوحنا 4/14 ) فجعل الخلاص عاماً لكل الخطايا وشاملاً لكل البشر ، مهما عملوا من الموبقات والرزايا، لذا أضحى أهل الجنة - وفق المفهوم البولسي هم أراذل الناس وسفلتهم - ، إذ من أمِن العقوبة أساء الأدب.
وقد كان لهذه النصوص صدى كبير في النصرانية ونظرتها للشريعة، فقد فهم رواد النصرانية قبل غيرهم من هذه النصوص أن كل الموبقات قد أضحت حلالاً، فيقول لوثر أحد مؤسسي المذهب البروتستانتي: " إن الإنجيل لا يطلب منا الأعمال لأجل تبريرنا، بل بعكس ذلك، إنه يرفض أعمالنا ... إنه لكي تظهر فينا قوة التبرير يلزم أن تعظم آثامنا جداً، وأن تكثر عددها".
ويقول ميلا نكتون في كتابه "الأماكن اللاهوتية" : " إن كنت سارقاً أو زانياً أو فاسقاً لا تهتم بذلك، عليك فقط أن لا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك قبل أن تخطئ بزمن مديد". (1)
وهكذا تبين لنا أن البلاء والفساد الذي آلت إليه أوربا والغرب النصراني عامة، إنما كان بسبب هذا الكتاب الذي يصر النصارى على أنه يمثل - رغم سلبياته الهائلة - كلمة الله الهادية إلى البر والجنة والملكوت.

الأربعاء، 4 يونيو 2008

تابع

ثم في موضع آخر يذكر لوقا أن رجلاً سأل المسيح عن طريق الحياة الأبدية فكان من إجابته "أكرم أباك وأمك " ( لوقا 18/20 ).
وفي مرقس أن المسيح قال: " تحب قريبك كنفسك " (مرقس 12/31 )، فهل المطلوب من التلاميذ بغض الوالدين أم محبتهما وإكرامهما؟
هل يعقل أن يكون مصير المسيح عليه السلام جهنم؟
وتتناقض الأناجيل حين تذكر أن المسيح توعد الذين يشتمون إخوانهم بالنار، ثم تزعم أنه صنعه، فقد قال: " ومن قال: يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (متى 5/22).
في حين أن لوقا زعم أن المسيح قال لتلميذيه اللذين لم يعرفاه بعد القيامة: " أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء" (لوقا 24/25)، وأنه قال لبطرس : "اذهب عني يا شيطان " (متى 16/23).
وخاطبه في موطن آخر: "يا قليل الإيمان لماذا شككت " ( متى 14/31 )، فهل يحكم النصارى على المسيح باستحقاقه النار، أم يحكمون على هذه النصوص بالقصور والتناقض.
ثالثاً: التناقض بين العهد القديم والعهد الجديد
وكما تناقض الإنجيليون وكتاب الرسائل مع بعضهم فإنهم تناقضوا مع أسفار العهد القديم، في مختلف القضايا التي شاركوا كُتاب العهد القديم في الحديث عنها، اللاهوتية منها والتاريخية.
التناقضات في صفات الله
يقول يوحنا: " الله لم يره أحد قط " ( يوحنا 1/18 ) وكلامه حق.
لكنه متناقض مع ما جاء في عدة مواضع في التوراة، منها قول يعقوب: " نظرت الله وجهاً لوجه" ( التكوين 32/30 ).
ومثله ما جاء في سفر الخروج أن موسى أصر على رؤية الله فقال له الرب: " هو ذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة، وأسترك بيدي حتى أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي، أما وجهي فلا يرى " ( الخروج 33/21 - 23 ).
كما يتناقض قول يوحنا مع زعم لوقا بأن استفانوس قد رأى الله بصورته ومجده، إذ يقول: "وأما هو فشخص إلى السماء، وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجدَ الله ويسوعَ قائماً عن يمين الله. فقال: ها أنا أنظر السماوات مفتوحة، وابن الإنسان قائماً عن يمين الله" (أعمال 7/55-56).
كما وصف يوحنا الله الآب بأنه لم يسمع أحد صوته، فيقول: "والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي، لم تسمعوا صوته قط، ولا رأيتم هيئته" (يوحنا 5/37)، وعليه فإن أحداً لم يسمع صوت الله، وهو بذلك يخالف ما جاء في التوراة، التي تذكر أن بني إسرائيل سمعوا صوت الله حين كلمهم في حوريب "فكلمكم الرب من وسط النار، وأنتم سامعون صوت كلام، ولكن لم تروا صورة، بل صوتاً" (التثنية 4/12)، فهل سمع البشر صوت الله أم لم يسمعوه؟
ويصف بولس الله عز وجل بوصف حق، فيقول: " الله ليس إله تشويش، بل إله سلام " (كورنثوس (1) 14/33 ).
ولكنه يناقض بذلك ما جاء في سفر التكوين " وقال الرب: هوذا شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم.. هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددوهم من هناك على وجه كل الأرض" ( التكوين 11/6-9).
هل كل المطعومات مباحة؟
ومن التناقضات أيضاً أن التوراة تتحدث عما يجوز أكله وما لا يجوز من الأطعمة مما ينجس أكله. ( انظر اللاويين 11/1 - 47 ).
لكن مرقس يذكر أن المسيح خالف ذلك فقال كلاما غريباً أباح فيه كل طعام فقال: "اسمعوا مني كلكم وافهموا : ليس شيء من خارج الإنسي إذا دخل فيه يقدر أن ينجسه، لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس ".
وقد صعُب فهم هذا على تلاميذه فأعادوا السؤال عنه، فأعاد الجواب، وقال: " لأنه لا يدخل إلى قلبه، بل إلى الجوف، ثم يخرج إلى الخلاء، وذلك يطهر كل الأطعمة " (مرقس 7/14 - 19 ). فهذه أغرب طريقة في تطهير الطعام، وهي تناقض أحكام التوراة وتخالفها وتنقضها.
من الذي اشترى الأرض من شكيم؟
نقل بولس في رسالته إلى العبرانيين بشارة الله لداود بابنه سليمان، لكنه جعلها نبوءة بالمسيح عليه السلام، فيقول: "كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شيء.. صائراً أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم، لأنه لمن من الملائكة قال قط: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك. وأيضا أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً" (عبرانيين 1/5).
وقد اقتبس بولس العبارة الواردة في سفر صموئيل الثاني ( 7/14 )، وجعلها نبوءة عن المسيح، ففيه : "أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً " فقد ظن بولس أن هذه العبارة نبوءة عن المسيح عليه السلام فنقلها في رسالته.
إلا أن هذا الاقتباس غير صحيح، فالنص جاء في سياق الحديث إلى داود، فقد أمر الله النبي ناثان أن يقول لداود: "فهكذا تقول لعبدي داود...متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم نسلك الذي يخرج من أحشائك، وأثبت مملكته، هو يبني بيتاً لاسمي، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد، أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً، وإن تعوج أودبه بقضيب الناس وبضربات بني آدم..كذلك كلم ناثان داود" (صموئيل (2) 7/8-17)، فالمتنبئ عنه يخرج من أحشاء داود وليس من ذريته، وهو يملك على بني إسرائيل بعد اضطجاع داود أي موته، وهو باني بيت الله، وهو متوعد بالعذاب إن مال عن دين الله، وكل هذا قد تحقق في سليمان كما تذكر التوراة.
إن أياً من تلك المواعيد لم يتحقق في المسيح عليه السلام، فهو عندهم إله لا يصح أن يتوعد بالعذاب من الله لأنه لا يخطئ ابتداءً، كما أنه لم يبنِ لله بيتاً، ولم يملك على بني إسرائيل يوماً واحداً، ولم يثبت كرسي مملكته، لأنه لا مملكة له أصلاً في هذا العالم كما أخبر هو فقال: "أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون، لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا 18/36).
وتبذل محاولات يائسة وساذجة للجمع بين هذه المتناقضات وتقديمها بصورة متوافقة متكاملة، لكن التكلف يكتنف جميع هذه المحاولات التي غالباً ما تظهر باهتة، إضافة لما تحمله من صور للجمع لا دليل عليها.
لذا فإن الفيلسوف الناقد اليهودي اسبينوزا صدق وهو يقول عن التوراة، وينطبق حديثه على العهد الجديد: " فإذا ظن أحد أني أتحدث بطريقة عامة جداً دون أساس كاف، فإني أرجو أن يكلف نفسه العناء، ويدلنا على ترتيب يقين لهذه الروايات يستطيع المؤرخون اتباعه في كتاباتهم للأخبار دون الوقوع في خطأ جسيم، وعلى المرء في أثناء محاولته تفسير الروايات والتوفيق أن يراعي العبارات والأساليب، وطرق الوصل في الكلام، ويشرحها بحيث نستطيع طبقاً لهذا الشرح أن نقلدها في كتاباتنا، ولسوف أنحني مقدماً في خشوع لمن يستطيع القيام بهذه المهمة، وإني على استعداد لأن أشبهه ( بأبوللو ) نفسه.
على أني أعترف بأني لم أستطع أن أجد من يقوم بهذه المحاولة، على الرغم من طول بحثي عنه، ومع أني مشبع منذ طفولتي بالآراء الشائعة عن الكتاب المقدس، فقد كان من المستحيل ألا أنتهي إلى ما انتهيت إليه. وعلى أية حال فليس هناك ما يدعونا إلى أن نعطل القارئ هنا، وأن نعرض عليه في صورة تحد أن يقوم بمحاولة ميئوس منها". (1)
اعترافات بتناقضات الأناجيل
وقليلون هم الذين يعترفون بالحقيقة، ومنهم محررو مجلة " الحقيقة المجردة ( الناصعة ) " النصرانية والتي يقول عدد يوليو 1975م منها: " هناك ادعاءات كثيرة لتناقضات في الكتاب المقدس لم يستطع العلماء حلها حتى الآن، وفيها ما يسر كل كافر ملحد، فهناك بعض الصعوبات النصية التي ما زال العلماء يتصارعون معها إلى يومنا هذا، ولا ينكر هذه الحقيقة إلا من كان جاهلاً بالكتاب المقدس ".

ومثلهم يقول مفسرو الترجمة المسكونية للتوراة عن الأناجيل بأنها " صورة لأدب غير مترابط، مفتقر هيكله إلى حسن التتابع... يبدو أن ما فيه من تضاد غير قابل للتذليل ". (1)

المسانل المسكتات المسالة الأولى من المسكتات

 المسانل المسكتات المسالة الأولى من المسكتات وأول المسائل المسكتات أنا نسأل النصارى عن هذ ا التوحيد ) 1 ( الذي شرحته والإيمان الذي وصفته ، ه...