الاثنين، 5 مايو 2008

النزول من السماء

النزول من السماء


وتذكر الأناجيل بأن المسيح قد أتى من فوق أو من السماء و «الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع» يوحنا 3/31)، ويرون صورة ألوهيته مشرقة في قوله « أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم، أما أنا فلست من هذا العالم» يوحنا 8/23)، فدل ذلك – وفق رأي النصارى - على أنه كائن إلهي فريد.
لكن المقصود من المجيء السماوي هو إتيان المواهب والشريعة، وهو أمر يستوي به مع سائر الأنبياء، ومنهم يوحنا المعمدان فقد سأل المسيح اليهود: «معمودية يوحنا من أين كانت من السماء؟ أم من الناس؟ ففكروا في أنفسهم قائلين: إن قلنا من السماء، فيقولوا لنا :فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا: من الناس، نخاف من الشعب…» متى 21/25-26).
وأما النازلون على الحقيقة من السماء فهم كثر، ولا تعتبر النصارى أيا منهم آلهة، منهم الملائكة، «لأن ملاك الرب نزل من السماء» متى 28/2).
وكذا صعد أخنوخ إلى السماء «وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد، لأن الله أخذه» التكوين 5/24)، ومن المعلوم أن «ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء» يوحنا 3/13)، فأخنوخ مثله، ولا يقولون بألوهيته.
وكذا إيليا صعد إلى السماء «ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء» ملوك -2- 2/11).
وتذكر الأناجيل أن التلاميذ، هم أيضاً مولودين من فوق أو من الله، أي مؤمنين به، ففي يوحنا: «وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنين باسمه» يوحنا 1/12). فالمقصود بالولاد، الولاد الروحي، بحيث يتغير قلب الإنسان الخاطئ تغيراً عظيماً كاملاً مستمراً، كأنه ولد ثانية، ويحدث ذلك عند توبته وإيمانه.
والمؤمنون بالمسيح مولودون من فوق بما أعطاهم الله من الإيمان، فهم كسائر المؤمنين كما قال المسيح: «الحق الحق أقول لكم: إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله» يوحنا 3/3).
وكذا قال: «كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح، فقد ولد من الله» يوحنا -1- 5/1).
وقال: « كل من يصنع البر مولود منه» يوحنا -1-2/29).
وقول المسيح: « أما أنا فلست من هذا العالم » ليس دليلاً على الألوهية بحال، فمراده اختلافه عن سائر البشر باستعلائه عن العالم المادي بل هو من فوق ذلك الحطام الذي يلهث وراءه سائر الناس.
وقد قال مثل هذا القول في حق تلاميذه أيضاً بعد أن لمس فيهم حب الآخرة والإعراض عن الدنيا، فقال: « لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته، لكن لأنكم لستم من العالم، بل أنا اخترتكم من العالم، لذلك يبغضكم العالم» يوحنا 15/19).
وفي موضع آخر قال عنهم: « أنا قد أعطيتهم كلامك، والعالم أبغضهم، لأنهم ليسوا من العالم، كما أني لست من العالم» 17/14-15)، فقال في حق تلاميذه ما قاله في حق نفسه من كونهم جميعاً ليسوا من هذا العالم، فلو كان هذا على ظاهره، وكان مستلزماً الألوهية، للزم أن يكون التلاميذ كلهم آلهة، لكن تعبيره في ذلك كله نوع من المجاز، كما يقال: فلان ليس من هذا العالم، يعني هو لا يعيش للدنيا و لا يهتم بها، بل همُّـهُ دوماً رضا الله والدار الآخرة.

الحلول الإلهي في المسيح


ويرى النصارى أن بعض النصوص تفيد حلولاً إلهياً في عيسى، ومنها «لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا فيه» يوحنا 10/38)، وفي موضع آخر « الذي رآني فقد رأى الآب...الآب الحال في » يوحنا 14/9-10)، وقوله «أنا والآب واحد» يوحنا 10/30).
فهذه النصوص أفادت – حسب قول النصارى - أن المسيح هو الله، أو أن حلولاً إلهياً حقيقياً لله فيه.

حلول الله المجازي على مخلوقاته


وقد تتبع المحققون هذه النصوص فأبطلوا استدلال النصارى بها، فأما ما جاءت من ألفاظ دلت على أن المسيح قد حل فيه الله-على ما فهمه النصارى- فإن فهمهم لها مغلوط. ذلك أن المراد بالحلول حلول مجازي كما جاء في حق غيره بلا خلاف، ونقول مثله في مسألة الحلول في المسيح.
وهو ما أشارت إليه نصوص أخرى منها ما جاء في رسالة يوحنا «من اعترف بأن يسوع هو ابن الله، فالله يثبت فيه، وهو في الله، ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله، والله فيه» يوحنا -1-4/15-16).
ومثله فإن الله يحل مجازاً في كل من يحفظ الوصايا ولا يعني ألوهيتهم، ففي رسالة يوحنا: «ومن يحفظ وصاياه يثبت فيه، وهو فيه، وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا» يوحنا-1- 3/24)، فلبس المقصود تقمص الذات الإلهية لهؤلاء الصالحين، بل حلول هداية الله وتأييده عليه.
وكذا الذين يحبون بعضهم لله، «إن أحب بعضنا بعضاً فالله يثبت فينا، ومحبته قد تكملت فينا. بهذا نعرف أننا نثبت فيه، وهو فينا» . يوحنا -1-4/12-13).
وكما في قوله عن التلاميذ: « أنا فيهم، وأنت في» يوحنا 14 /19)، ومثله يقول بولس عن المؤمنين: «فإنكم أنتم هيكل الله الحي، كما قال الله: إني سأسكن فيهم، وأسير بينهم، وأكون لهم إلهاً، وهم يكونون لي شعباً» كورنثوس -2- 6/16-17) فالحلول في كل ذلك مجازي.
فقد أفادت هذه النصوص حلولاً إلهياً في كل المؤمنين، وهذا الحلول هو حلول مجازي بلا خلاف، أي حلول هدايته وتوفيقه، ومثله الحلول في المسيح.
كما تذكر التوراة حلول الله- وحاشاه- في بعض مخلوقاته على الحقيقة، ولا تقول النصارى بألوهية هذه الأشياء، ومن ذلك ما جاء في سفر الخروج «المكان الذي صنعته يا رب لسكنك» الخروج 15/17)، فقد حل وسكن في جبل الهيكل، ولا يعبد أحد ذلك الجبل.
وفي المزامير: «لماذا أيتها الجبال المسمنة ترصدون الجبل الذي اشتهاه الله لسكنه، بل الرب يسكن فيه إلى الأبد» المزمور 68/16).

الإيضاح القطعي للمعنى الحقيقي للإنجيل 1

الإيضاح القطعي للمعنى الحقيقي للإنجيل - 16 - (وظيفة خاصة تنحصر في إصلاح الأمة الموسوية وإرشادها ونفخ الروح الجديدة وإعطاء اللدنات لدين...