الجمعة، 9 مايو، 2008

أدلة النصارى على عقيدة التثليث

أدلة النصارى على عقيدة التثليث


من الطبيعي والمتوقع ونحن نتحدث عن أهم عقائد النصرانية، أي التثليث أن نجد ما يؤصله في عشرات النصوص الواردة على لسان الأنبياء ثم المسيح ثم تلاميذه من بعده.
لكن عند التصفح الدقيق لما بين دفتي الكتاب المقدس فإنا لا نجد الدليل الصريح الذي نبحث عنه، لا في العهد القديم، ولا في الجديد، ولم العجلة في إصدار الأحكام، هلم نتأمل ما جاء في الكتاب المقدس من تأصيل لهذا المعتقد الهام.

النصوص التوراتية وعقيدة التثليث


تعلق النصارى ببعض النصوص التوراتية وزعموا أنها إشارات إلى التثليث منها استخدام بعض النصوص صيغة الجمع العبري «ألوهيم» عند الحديث عن الله كما في مقدمة سفر التكوين «في البدء خلق الله السماء والأرض» «التكوين1/1» ، وفي النص العبري «ألوهيم» أي: «الآلهة» ، ومثله في استخدام ما يدل على الجمع في أفعال منسوبة لله كقول التوراة أن الله قال: «هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم» «التكوين11/7» .
ومن الإشارات التوراتية أيضاً لتثليث الأقانيم قول الملائكة: «قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود» «إشعيا6/3» ، فقد كرر ذكر كلمة قدوس ثلاث مرات، ومثله قالت الحيوانات التي رآها يوحنا في رؤياه: «قدوس، قدوس، قدوس، الرب الإله القادر على كل شيء»
«الرؤيا 4/8» .

نقد النصوص التوراتية


بداية يعترف النصارى بأن ليس في هذه النصوص ما نستطيع أن نعتبره دليلاً صريحاً على التثليث الذي تنقضه النصوص التوحيدية الصريحة، كما لم يفهم سائر قراء العهد القديم - من لدن الأنبياء الأوائل لبني إسرائيل - شيئاً عن تلك التي يعتبرها النصارى إشارات على التثليث.
ويعترف بذلك القس بوطر، فيقول: «بعدما خلق الله العالم، وتوج خليقته بالإنسان لبث حيناً من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بالوحدانية كما تبين ذلك من التوراة على أنه لا يزال المدقق يرى بين سطورها إشارات وراء الوحدانية، لأنك إذ قرأت فيها بإمعان تجد هذه العبارات » كلمة الله « أو » حكمة الله « أو » روح الله « ولم يعلم من نزلت إليهم التوراة في ضوء الإنجيل يقف على المعنى المراد، إذ يجدها تشير إلى أقانيم اللاهوت…فما لمحت إليه التوراة صرح به الإنجيل» ، وهنا يتساءل المرء لم ألغز الله تثليث أقانيمه عن موسى وبني إسرائيل، ولم كان سبب ضلالهم بما أورده لهم من نصوص موحدة، جعلتهم يحاربون عقيدة التثليث ويرفضونها، وهل سيغفر لهم ولغيرهم أنهم لم يهتدوا إلى حقيقة المراد من هذه الألغاز.
ونظر المحققون فيما أسمته النصارى إشارات التوراة، فوجدوا من النصارى لها تمحلاً لا تقبله الأذواق السليمة، ولا ترتضيه دلالات الكلام وتناسق السياق.
إن غاية ما يمكن أن تدل عليه هذه النصوص تعدد الآلهة، من غير تحديد لها بالتثليث أو التربيع أو غيره.
والجمع الوارد في مثل قوله: «ألوهيم، هلم ننزل ونبلبل» هو جمع تعظيم لا يفيد الكثرة، وقد اعتادت الأمم التعبير عن عظمائها باستخدام جمع التعظيم، فيقول الواحد: نحن، ورأينا، وأمرنا، ومقصده نفسه، ولا يقهم منه مستمع أنه يتحدث عن ذاته وأقانيمه الأخرى.
واستخدام صيغة الجمع للتعظيم لا العدد معروف حتى في الكتاب المقدس، وله صور منها قصة المرأة التي رأت روح صموئيل بعد وفاته، فعبرت عنه باستخدام صيغة الجمع، تقول التوراة: «فلما رأت المرأة صموئيل صرخت بصوت عظيم..فقالت المرأة لشاول: رأيت آلهة يصعدون من الأرض، فقال لها: ما هي صورته؟ فقالت: رجل شيخ صاعد، وهو مغطي بجبّة. فعلم شاول أنه صموئيل» «صموئيل (1» 28/12-14)، فقد كانت تتحدث عن صموئيل، لقد رأته على هيئة رجل شيخ، وتستخدم مع ذلك صيغة الجمع «آلهة» ، فالجمع لا يفيد العدد بالضرورة.
وعندما عبد بنو إسرائيل العجل، وهو واحد سمته التوراة آلهة مستخدمة صيغة الجمع في ثلاثة مواضع، تقول: «فأخذ ذلك من أيديهم وصوّره بالإزميل، وصنعه عجلاً مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر....صنعوا لهم عجلاً مسبوكاً، وسجدوا له، وذبحوا له، وقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر» «الخروج 32/4-8» ، ويمضي السفر ليؤكد ثالثة أصالة استعمال الجمع الذي يراد منه الواحد، فيقول: «رجع موسى إلى الرب، وقال: آه قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة من ذهب» «الخروج 32/31» .
ومثله تجد هذا الاستخدام عند المسلمين كما في قول الله: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» «الحِجر: 9» ، فالمقصود هو الله الواحد العظيم.
وأما التكرار ثلاث مرات في قول الملائكة أو حيوانات رؤيا يوحنا وأمثال ذلك، فلا يصلح في الدلالة في شيء. فلو اطرد الاستدلال على هذه الكيفية فلسوف نرى تربيعاً وتخميساً وغير ذلك من التعداد للآلهة، فلئن وردت كلمة «قدوس» مثلثة مرتين في الكتاب المقدس، فإنها وردت مفردة نحو أربعين مرة، وإنما يراد من التكرار التأكيد كما في نصوص إنجيلية وتوراتية كثيرة، منها قول اليهود: « فصرخوا قائلين: اصلبه، اصلبه» «لوقا 23/21» ، ونحوه في سؤال المسيح لبطرس، فقد كرره ثلاث مرات « فبعدما تغدوا قال يسوع لسمعان بطرس: يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟ قال له: نعم يا رب، أنت تعلم أني أحبك... قال له أيضاً ثانية: يا سمعان بن يونا أتحبني؟...قال له ثالثة: يا سمعان بن يونا أتحبني؟ فحزن بطرس لأنه قال له ثالثة: أتحبني» «يوحنا21/15-17» .


الله واحد أم ثلاثة_د. منقذ بن محمود السقار